أحمد ياسوف

252

دراسات فنيه في القرآن الكريم

فما كان عليهم - وقد أصروا على الإشراك - إلا الهرب من سماعه على ملأ من القوم ، والتلصّص لسماعه ليلا ، مما يؤكد عدم موضوعيتهم في كرههم للقرآن ، وقد قال عنهم عزّ وجلّ : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [ فصلت : 26 ] فقد طغت المكانة العشائرية ، ولكنها لم تمسح في نفوسهم تذوقا سمعيا فطريّا . ويمكن أن نعزو هذه الملكة السمعية إلى ضخامة مساحة الأميّة بين العرب حينذاك ، بالإضافة إلى كثرة استماعهم للشعر الذي صوّر شؤون حياتهم جميعها ، ولهذا كان السمع هو المعيار الأول ، وفي هذا الصدد يقول إبراهيم أنيس : « وفي رأيي أن هذه الظاهرة الموسيقية في اللغة العربية تعزى إلى تلك الأمية حين كان الأدب أدب الأذن لا أدب العين ، فاكتسبت تلك الآذان المران والتمييز بين الفروق الصوتية الدقيقة » « 1 » . ولا يعني هذا مجرد استمتاعهم بصوتيات القرآن ، فقد عرفوا أيضا أنها قوالب فنيّة لمضامين فكرية جديدة ، فالتعلّق لم يكن شكليا محضا ، ونحن نقترف بأن كتابة الشعر كانت قليلة في الفترة الجاهلية ، وهنا لك أمم كثيرة بدأت نتاجها الأدبي بالأدب الشفوي ، وكانت تهتم بتصوير الأساطير ، ولكن لا تمتلك لغاتها هذه الموسيقية ؛ إلا أنها غنّت نتاجها الأدبي ، وكذلك كانت الإلياذة والأوديسة . ونرجّح أن السبب هو طبيعة اللغة العربية التي نشأت موسيقاها وفق ذوق أوّلي ، ثم صار هذا الذوق قانونا موسيقيا ، ثم نزل القرآن الكريم بتشكيل فريد ، وذلك بلجوئه إلى مزية خاصة ، وتخيّره وتهذيبه للمفردات ، وليس من الضروري أن يكون تفشّي الأمية السبب الوحيد ، لأن الشعر قديم ، ولكل قديم منه معايشة شفوية في زمن ما .

--> ( 1 ) دلالة الألفاظ ، د . إبراهيم أنيس ، ص / 195 .